impactcom
Culture Beats

في ليلة الوفاء والانتماء.. الشاب خالد يجدد عهده مع قرطاج بكاريزما لا تشيخ

في ليلة الوفاء والانتماء.. الشاب خالد يجدد عهده مع قرطاج بكاريزما لا تشيخ
لم يكن ركح المسرح الأثري بقرطاج مساء السبت مجرد مسرح لعرض موسيقي، بل تحوّل إلى ساحة لعرس مغاربي وعربي بامتياز، اجتمع فيه آلاف المعجبين من تونس والجزائر والمغرب العربي الكبير، ليعيشوا سويةً واحدة من أكثر السهرات الفنية دفئاً وحميمية هذا الموسم.

بابتسامته المعهودة وعفويته الطاغية، استهلّ ملك الراي الشاب خالد حفله بعبارة واحدة اختصرت الأجواء وجعلت الجماهير في حالة تأهب تام للفرح: "الليلة عرس". كلمات بسيطة لكنها كانت كفيلة بإشعال المدرجات وإعلان انطلاق سهرة استثنائية طال انتظارها.
ولم تكن سوى دقائق قليلة حتى صدقت نبوءة خالد؛ إذ تحولت المدارج التاريخية التي ضاقت بالحاضرين إلى كورال جماعي ضخم، ردد بصوت واحد باقة من أشهر أغانيه التي شكلت ذاكرة أجيال متعاقبة، من "راقدة"، "الشابة"، "مالها"، و"سبابي إنتِ" وصولاً إلى أغنيته الشهيرة "Les Ailes"، في مشهد يعكس عمق العلاقة التي تربط الفنان بجمهوره العربي عموماً والتونسي خصوصاً.
كاريزما الأبيض والأسود.. شوق متجدد بقرطاج
خالد، الذي يعود بالذاكرة إلى أولى إطلالاته على هذا المسرح العريق وهو في التاسعة والعشرين من عمره، جدد موعده مع الجمهور التونسي بكثير من الحنين وربما بشوق أكبر بعد سنوات من الغياب. أطلّ الفنان بكاريزمته الفريدة مرتدياً اللونين الأبيض والأسود، وسط أجواء دافئة زادها تميزاً حضور عائلته، زوجته واثنين من أبنائه، الذين تابعوا تفاصيل الحفل بدعم وفخر من الكواليس، في لمسة إنسانية أضفت على السهرة طابعاً عائلياً مميزاً.
ساعتان من التحليق الموسيقي
ومن يعلم سرّ نجاح "ملك الراي"، يدرك جيداً أن حفلاته لا تُقاس بمجرد أغانٍ تُؤدَّى، بل بتلك الطاقة الاستثنائية والارتجالات الحية التي يبعثها على الخشبة، وبقدرته على خلق تواصل حقيقي ومباشر مع كل فرد في الجمهور. وعلى امتداد ساعتين متواصلتين، أثبت النجم العالمي أن حنجرته ما زالت تنبض بالبريق ذاته الذي رافقه منذ بداياته؛ فقدم توليفة موسيقية ذكية راوحت بين الميدلي السريع الذي أشعل حماس الجمهور، وأعماله الخالدة التي لا تموت مع مرور الزمن، مثل "ديدي" و"عايشة" و"بختة" و"رحتي يا وهران"، في رحلة موسيقية متكاملة أعادت الحاضرين إلى محطات مختلفة من مسيرته الفنية الطويلة.
صرخة انتماء تعلو في سماء قرطاج
نصف قرن من الموسيقى صهرت تجربة الشاب خالد وزادتها عراقة وعمقاً، ليتجلى ذلك الرابط الأزلي الذي يجمعه بجمهوره في أبهى صوره، بعيداً عن أي حسابات تجارية أو مجاملات عابرة. وفي لحظة تجاوزت حدود الغناء لتلامس القضايا الحية والوجدان الجماعي، توشح الملك بالعلمين التونسي والجزائري، وارتجل بملء صوته صرخة وفاء للقضية والإنسان، ردد فيها وسط ذهول الحاضرين وتصفيقهم الحار: "أنا الوهراني.. أنا التونسي.. أنا الفلسطيني"، في لحظة إنسانية وفنية جسّدت معنى الانتماء المشترك وأعادت التذكير بأن الفن يبقى أصدق تعبير عن هموم الشعوب وأحلامها.
هكذا انتهت الليلة، بذات الزخم والطاقة الحية التي افتتحت بها، لتظل هذه السهرة فصلاً فريداً يُضاف إلى سجل قرطاج الفني الحافل، ويؤكد مرة أخرى أن الشاب خالد وقرطاج قصة عشق متجددة لا تعرف الغياب ولا تشيخ مع مرور السنين.