في الوقت الذي كانت فيه مصر تخطو خطواتها الأولى نحو تأسيس صناعة سينمائية ستصبح لاحقًا الأضخم في العالم العربي، كانت تونس هي الأخرى تسير بخطى متأنية لتكتشف سحر الصورة المتحركة وتبدأ في صناعة أولى تجاربها خلف الكاميرا.
حيث لم تكن السينما العربية قد وُلدت بعد بالشكل الذي نعرفه اليوم، ولكن بذورها كانت تُزرع في أكثر من مدينة عربية.
ففي مصر، قادت هذه التجارب تدريجيًا إلى نشأة صناعة سينمائية واسعة، ارتبطت بأسماء عدة مثل "محمد بيومي" و"عزيز ودادور " وتوغلت لاحقًا في عالم الإنتاج التجاري.
أما في تونس، فكانت البداية أكثر فردية، ارتبطت بشكل خاص بالمصور والمغامر "ألبرت سمامة شيكلي"، الذي انتقل من تسجيل الواقع التونسي إلى خوض تجربة الفيلم الروائي.
ومن هنا تبدأ حكاية السينما التونسية: حكاية بلد لم يكتفِ باستقبال اختراع السينما، بل بدأ، في وقت مبكر جدًا، يبحث عن طريقه الخاص أمام الكاميرا ورغم ذلك ما تزال الصناعة السينمائية فيه تشهد تعثرا.
فكيف بدأت هذه الحكاية؟
بداية الرحلة قبل الصناعة..
قبل أن يكون للسينما التونسية اسمها ومؤسساتها ومهرجاناتها، كانت الصورة المتحركة تصل إلى تونس كاختراع جديد يثير الفضول والدهشة.
منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت العروض السينمائية تظهر في تونس، وسرعان ما تحولت قاعات العرض إلى فضاءات يكتشف فيها الجمهور عالمًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل.
وتشير المصادر إلى أن أولى العروض السينمائية في تونس تعود إلى 1897، بينما افتُتحت قاعة Omnia-Pathé سنة 1908، لتصبح السينما جزءًا من الحياة الثقافية في العاصمة.
ألبرت شمامة شيكلي... الرجل الذي حمل الكاميرا قبل أن تحملها الصناعة
في بدايات القرن العشرين، ظهر اسم سيصبح مرتبطًا بشكل وثيق بولادة السينما التونسية: ألبرت شمامة شيكلي.
مصور، مغامر، صحفي وصانع أفلام، لم يتعامل شيكلي مع الكاميرا باعتبارها مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، بل جعل منها أداة لاكتشاف تونس وتوثيق تفاصيل الحياة فيها.
ومن الأفلام الوثائقية والصور التي التقطها للواقع التونسي، انتقل إلى تجربة أكثر جرأة: صناعة فيلم روائي تونسي.
وفي سنة 1922، أخرج زهرة الذي يُعد أول فيلم روائي تونسي، وعُرض في تونس يوم 21 ديسمبر من العام نفسه.
وكان لابنته حيدية شمامة دور البطولة، لتصبح واحدة من أوائل الوجوه النسائية في تاريخ السينما العربية.
ثم لم يتوقف شيكلي عند هذه التجربة...
بعد عامين، جاء عين الغزال أو فتاة قرطاج سنة 1924، وهو العمل الذي يُعد من أوائل الأفلام الروائية الطويلة التي أنجزها تونسي، بمشاركة حيدية أيضًا، وبقصة تدور حول الحب والزواج القسري والمجتمع التونسي.
وهنا تبدأ المفارقة:
تونس كانت قد عرفت السينما مبكرًا، وظهر فيها مخرجون وتجارب روائية منذ عشرينيات القرن الماضي، لكن بناء صناعة سينمائية تونسية مستمرة كان سيحتاج إلى عقود أخرى.
سنوات من الخبرة...بدون صناعة
على الرغم من أن تونس بدأت مبكرا إلا أن تلك السنوات من الخبرة لم تؤدى إلى نشأة صناعة سينمائية كاملة.
بعد تجارب ألبرت شاماما شكلي مازال صناعة الأفلام تفتقر إلى هيكل قادر على دعم صناعة منتظمة كما كان الحال بالفعل مع مصر في تلك الفترة.
كما ساهم سياق الاحتلال الفرنسي في تكوين السينما حيث تم تنفيذ جزء كبير من الإنتاج المتعلق بتونس بمبادرة أجنبية بينما حاولت المبادرات التونسية المستقلة إيجاد مساحة سواء أمام أو خلف الكاميرا.
لذا فعلى مدى عدد من السنوات كان السينما في تونس أكثر من مجرد تجربة من التجارب من غير أن تكون صناعة.
كانت هناك كاميرات ودور عرض وأفلام تم تصويرها على أراضي تونس ولكن السؤال ظل قائما: متى سيحصل التونسيون على سينما خاصة بهم تصنع من قبلهم وتروي قصصهم؟
الاستقلال...وبداية البحث عن سينما وطنية
مع استقلال تونس عام 1956فتح فصل جديد في تاريخ البلاد ولم يبقى السينما بعيدا عن هذا التغيير.
بناء مؤسسات الدولة الحديثة كان يسير جنبا إلى جنب مع الاهتمام المتزايد بشؤون الثقافة والصور وبدأت ملامح السينما التي ستكون وطنية حقا في الظهور.
لم يعد تصوير الأفلام وعرضها هو الأمر المهم بل أصبح السينما هي الوسيلة لطرح الأسئلة حول المجتمع
السينما التونسية اليوم... صوت حاضر رغم الصعوبات
اليوم، وبعد أكثر من قرن على وصول الصورة المتحركة إلى تونس، لم تعد السينما التونسية مجرد محاولات فردية أو تجارب متفرقة، بل أصبحت جزءًا من المشهد السينمائي العربي والإفريقي، ولها مخرجون وممثلون ومنتجون استطاعوا أن يفرضوا أسماءهم داخل تونس وخارجها.
ورغم محدودية السوق وصعوبة تمويل الأفلام، واصلت السينما التونسية إنتاج أعمال تتناول قضايا المجتمع، والهوية، والمرأة، والذاكرة، والتحولات السياسية والاجتماعية التي عاشتها البلاد.
ولعل أبرز ما يميز السينما التونسية اليوم هو تنوع الأصوات. فإلى جانب الأسماء التي صنعت أجيالًا سابقة، برز جيل جديد من المخرجين والمخرجات الذين قدموا أفلامًا مختلفة في أساليبها ومواضيعها، ونجح عدد منهم في الوصول إلى أكبر المهرجانات العالمية..
ومن ألبرت شمامة شيكلي الذي حمل الكاميرا في بدايات القرن العشرين، إلى مخرجين تونسيين يشاركون اليوم في أهم المهرجانات العالمية، تغيّرت الكاميرات، وتغيّرت طرق الإنتاج، وتغيّر الجمهور...
لكن بقي شيء واحد ثابتًا:
رغبة التونسي في أن يحكي حكايته بنفسه... أمام الكاميرا
جيهان الزمزمي