هناك أشياء لا نعرف متى بدأت في حياتنا، لأننا ببساطة نجدها موجودة قبل أن نعرف أسماءها والموسيقى واحدة منها.
في تونس، لم تبدأ الموسيقى من مسرح كبير، ولا من استوديو تسجيل، ولا من أغنية تصدّرت الإذاعات. بدأت قبل ذلك بكثير، في الذاكرة، في البيوت، في الأعراس، في الزوايا، وفي حلقات السمر… بدأت بصوت الإنسان وهو يحاول أن يحوّل الفرح والحزن والحب والحنين إلى نغم.
ولهذا، فإن الحديث عن بدايات الموسيقى في تونس ليس بحثًا عن تاريخ محدد بقدر ما هو محاولة للعودة إلى طبقات طويلة من الذاكرة التونسية.
من الذاكرة إلى المالوف
حين نذكر الموسيقى التونسية القديمة، يصعب ألا نتوقف عند المالوف؛ ذلك التراث الذي أصبح واحدًا من أبرز مكونات المشهد الموسيقي التونسي.
والمالوف التونسي مرتبط بالتقاليد الموسيقية الأندلسية التي انتقلت إلى بلاد المغرب مع موجات الهجرة القادمة من الأندلس، ثم تداخلت في تونس مع روافد أخرى، لتتشكل عبر الزمن شخصية موسيقية تونسية لها مقاماتها وإيقاعاتها ونوباتها.
لكن الجميل في الحكاية أن تونس لم تتعامل مع هذا الموروث باعتباره شيئًا جامدًا. فقد عاش المالوف داخل المجتمع، وانتقل من جيل إلى آخر، وتحوّل من ذاكرة شفوية إلى تراث يحتاج إلى التدوين والحفظ.
وهنا تبدأ واحدة من أهم صفحات الموسيقى التونسية.
الرشيدية… حين خافت تونس على موسيقاها
في بدايات القرن العشرين، كان هناك شعور متزايد بالحاجة إلى حماية التراث الموسيقي من الضياع. ومن هذا المناخ تأسست سنة 1934 جمعية المحافظة على الموسيقى التونسية، التي عُرفت لاحقًا باسم الرشيدية.
لم تكن الرشيدية مجرد فرقة موسيقية.
كانت، في جانب أساسي من دورها، مشروعًا لحفظ الذاكرة: جمع التراث، تدوينه، تدريسه، وتقديمه للأجيال الجديدة. وتشير وزارة الشؤون الثقافية إلى أن من بين أهدافها الحفاظ على التراث الموسيقي وتنميته وتدوينه ونشره.
وهنا ربما تكمن أهم لحظة في تاريخ الموسيقى التونسية: اللحظة التي أدرك فيها التونسيون أن الأغنية ليست مجرد صوت ينتهي بانتهاء العرض، وإنما ذاكرة يمكن أن تضيع إذا لم نحفظها.
ثم جاء الراديو… فتغيّر كل شيء
إذا كانت الموسيقى قبل ذلك تعيش أساسًا في فضائها المحلي، فإن ظهور الإذاعة فتح لها بابًا آخر.
مع إنشاء إذاعة تونس سنة 1938، أصبح بإمكان الموسيقى والأغنية التونسية أن تصل إلى جمهور أوسع، وأن يتحول الفنان من صوت يعرفه أهل حيه أو مدينته إلى صوت تسمعه تونس كاملة.
وفي تلك المرحلة برزت أسماء صنعت جزءًا مهمًا من الذاكرة الغنائية التونسية، مثل محمد التريكي، الهادي الجويني، محمد الجموسي، الصادق ثريا وعلي الرياحي، إلى جانب أصوات مثل صليحة وحبيبة مسيكة وشافية رشدي وغيرهم.
كان المشهد يتغير.
لم تعد الموسيقى مجرد امتداد للموروث القديم، بل بدأت تدخل في حوار مع العصر، وتستفيد من الموسيقى الشرقية ومن بعض التأثيرات الغربية، مع الاحتفاظ بروح تونسية واضحة.
من «النوبة» إلى الأغنية
ربما أجمل ما في تاريخ الموسيقى التونسية هو أنها لم تعرف قطيعة كاملة بين القديم والجديد.
فالمالوف والنوبة والموشح والقصيد لم تختفِ فجأة عندما ظهرت الأغنية الحديثة. بالعكس، ظلت هذه الأشكال حاضرة، بينما بدأ فنانون وملحنون يوسّعون مساحة التجريب ويبحثون عن لغة تصل إلى الجمهور الجديد.6
ومن هنا ظهرت أجيال حملت التراث، وأجيال أخرى أعادت صياغته.
وهذا هو سر الموسيقى التونسية: أنها لم تكن نسخة واحدة من نفسها.
هي مالوف، لكنها أيضًا أغنية عاطفية.
هي نوبة، لكنها أيضًا موسيقى مسرح وإذاعة.
هي تراث، لكنها أيضًا تجربة وتجديد.
الموسيقى التي حفظت تونس… وتغيّرت معها
عندما نستمع اليوم إلى أغنية تونسية قديمة، ربما لا ننتبه إلى أنها تحمل أكثر من لحن وكلمات.
نسمع فيها تونس التي كانت.
تونس المدينة العتيقة، المقاهي، الأعراس، المسارح، الإذاعة، الحفلات، والبيوت التي كانت الأغنية فيها جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ولهذا فإن تاريخ الموسيقى التونسية ليس تاريخ فنانين فقط، بل تاريخ مجتمع كامل كان يغني ويتغير ويحتفظ بذاكرته في الأغنية.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت الرشيدية حاضرة بعد أكثر من تسعة عقود من تأسيسها، وبقي المالوف يُدرّس ويُؤدى ويُعاد تقديمه للأجيال الجديدة. وقد وثّقت وزارة الشؤون الثقافية وجود أرشيف للرشيدية يعود إلى سنة 1934 ويضم مقاطع من المالوف والأغاني.
واليوم… ماذا بقي من تلك البداية؟
السؤال الحقيقي اليوم ليس: متى بدأت الموسيقى في تونس؟
بل: ماذا فعلنا بما وصلنا منها؟
لأن التراث الذي لا يُسمع يتحول إلى أرشيف، والأرشيف الذي لا يُفتح يتحول إلى ذاكرة مغلقة.
تونس تمتلك موسيقى عمرها عقود طويلة، وأسماء صنعت تاريخًا، ومؤسسات لعبت دورًا في حفظ هذا التاريخ. لكن استمرار الحكاية يحتاج إلى أجيال جديدة تسمع القديم دون أن تخاف من الجديد.
فالموسيقى لا تعيش لأنها قديمة.
الموسيقى تعيش لأنها تجد دائمًا من يسمعها.
وربما أجمل طريقة للاحتفال ببدايات الموسيقى في تونس ليست أن نضعها خلف زجاج المتحف، بل أن نعيدها إلى الحياة: في المسارح، في المدارس، في الإذاعات، وفي سماعات جيل جديد قد يكتشف، للمرة الأولى، أن اللحن الذي يسمعه اليوم بدأ حكايته منذ زمن بعيد.
من هنا بدأت الحكاية… بصوت، ثم بلحن، ثم بذاكرة.
وما زالت تونس، إلى اليوم، تغني.